عنايتك الذاتية مقابل خدمات الصحة النفسية والدَّعم النّفسي الاجتماعيّ

    في ظل واقع خدمات الصحة النفسية والدَّعم النّفسي الاجتماعيّ  في شمال غرب سوريا حيث العديد من التحديات والصعوبات منها ما يتعلق بالجانب الإداري ونظام عمل المنظمات والمؤسسات الإنسانية، ومنها ما يرتبط بتوفر الإشراف المهني المساعد لمقدم الخدمة بنوعيه الفردي والجماعي، يضاف الى ذلك عدم وجود تدريبات معيارية تتناسب مع شدة المشكلات النفسية التي يتعامل معها الداعم النفسي الاجتماعي، وأخيراً تحديات الاحتياجات الكبيرة لخدمات الصحة النفسية ونقص الإمكانيات مع وجود عوامل شخصية تتعلق بنمط واستعداد مقدم خدمة الدَّعم النّفسي الاجتماعيّ  كفرد يعيش في واقع الحروب والأزمات.

    من هنا ننظر إلى عرض في هذا المقال مفهوم العناية الذاتية وكيفية تحسينها لتكون عاملا مساعدا معززا لتقديم خدمات الصحة النفسية والدَّعم النّفسي الاجتماعيّ بشكل مهني أكثر، فلن تساعد جميع أنشطة تخفيف التوتر إذا كنت لا تعتني بنفسك، حيث ينظر الكثير من الناس إلى العناية الذاتية على أنّها رفاهية وليست أولوية، وبالتالي فقد يشعرون بالإرهاق والتعب وعدم التجهيز للتعامل مع تحديات الحياة التي لا مفر منها، من المهم تقييم مدى اهتمامك بنفسك في العديد من المجالات المختلفة حتى تتمكن من التأكد من أنّك تهتم بعقلك وجسدك وروحك. 

    ففي دراسة أجرتها الجمعية الامريكية لعلم النفس (APA) وقد حددت أنواع الضغوط الخمسة الأولى:

  • محاولة تحقيق التوازن بين العمل والحياة (72% من المشاركين).
  • التعامل مع التأمين والرعاية المدارة (68%).
  • مخاوف بشأن سلامة مرضاهم (63 %).
  • قضايا عائلية (61%).
  • الإرهاق والتعب الناتج عن التعاطف (59 %) (APA, 2010).

ما الذي يزيد من تعرضنا للضغوط المهنية؟

  • العزلة المهنية.
  • الاستشارة غير الكافية (على سبيل المثال، استشارة الحالة السريرية المنتظمة) أو الدعم المهني للعمل الذي يمثل تحدياً ومعقداً.
  • سوء العناية الذاتية.
  • إرهاق (على سبيل المثال، الكثير من ساعات العلاج أو الدعم النفسي)
  • ندرة الأنشطة الترفيهية وغير المتعلقة بالعمل.
  • وصمة العار داخل المهنة للمهنيين الذين يقرون بالضيق أو الضعف.
  • توقعات ذاتية غير واقعية.
  • الميل إلى التركيز على احتياجات الآخرين مع إهمال احتياجاتنا ومشاكلنا الشخصية.
  • حدود ضعيفة، مشاركة مفرطة.
  • عدم التوازن في عبء القضايا / المسؤوليات المهنية (على سبيل المثال، العمل حصرياً مع الناجين من الصدمات وفيروس نقص المناعة البشرية وما إلى ذلك) (APA, 2008).

ما هي العناية الذاتية؟

تعرفها (هيلين كونز)، عالمة نفس الصحة السريرية وعضو مجلس إدارة سابق في (APA) تنصح بأنها: هي إجراء يقوم به الفرد حول رفاهيتنا الجسدية والعاطفية والعلائقية وربما المهنية والتعليمية والروحية، بالنسبة لبعض الناس تعني الطريقة التي نعتني بها بأنّفسنا على المستويات الأساسية (Erica Wise, 2019).

وتعرف العناية الذاتية على أنّها: عملية متعددة الأبعاد ومتعددة الأوجه من المشاركة الهادفة في الاستراتيجيات التي تعزز الأداء الصحي وتعزز الرفاهية،  تعتبر العناية الذاتية أمراً حيوياً لبناء المرونة تجاه الضغوطات التي لا يمكنك التخلص منها في الحياة، عندما تتخذ خطوات لرعاية عقلك وجسمك، ستكون أكثر استعداداً لتعيش حياة أفضل.(By Elizabeth, Scott, 2020)

أشكال العناية الذاتية:

  • الاشراف الداعم.
  • دعم الاقران.
  • العناية الذاتية الشخصية.

أولاً: الإشراف الداعم:

    الغرض من الاشراف هو مساعدة العاملين على الأداء بشكل أفضل، والمساعدة بشكل داعم من قبل شخص متخصص ذو خبرة يتميز بالانفتاح، التواصل الدائم، التواجد، الوعي بردود الفعل لدي العاملين، وتقدير جهودهم، ويعمل وفق نمط القيادة المسؤولة، ويوجد أغراض إضافية لا تقل أهمية عن التي ذكرتها، ومنها مشاركة المشاعر، والخبرات، يفضل أنّ يقوم به مختصاً محايد، وليس من المنظمة، أو ربما يكون مختصاً يعمل مع المنظمة، ولكن مهامه فنية، وليست مهام إدارية.

ثانياً: دعم الأقران:

    عملية دعم الأقران مساهمة هامة في عملية استعادة العافية، فهي علاقة داعمة فيما بين العاملين الذين لديهم تجربة عيش مشتركة توفر لهم الدعم العاطفي، والاجتماعي، ويقصد به: تقديم المساعدة لشخص ما بنفس مستوى الشخص الداعم، وتعتبر مبادئه بشكل عام نفس مبادئ العون النفسي الأولي، والتواصل الداعم.

    وهناك دليل على أنّ الطريقة الفعالة الداعمة للحالات المجهدة تيسر نجاح عملية التكيف فالسماح لشخص ما بالتحدث حول ردود أفعاله، ومشاعره سييسر من تكيفه، ويساعده على التعامل مع الوضع المجهد. وكما يوحي اسمه؛ فإن مقدم الدعم للأقران يقوم بذلك دون أنّ يصبح مرشداً للشخص المتضرر وتكون المساعدة التي يقدمها قصيرة الأمد، ولا تكون بديلة للمساعدة المتخصصة.

    دعم الأقران يضع بعين الاعتبار عافية الشخص بكافة جوانبها، ويركز على الصحة، واستعادة العافية بدلاً من الاضطراب أو العجز، من أجل مساعدة الأشخاص على العثور على طريقتهم الخاصة في استعادة عافيتهم.

ثالثاً: العناية الذاتية الشخصية:

  • النوم الصحي (توفير شروط النوم من حيث مواعيد النوم والاستيقاظ، عدد الساعات، وبيئة النوم)
  • الاسترخاء.
  • البحث عن مصادر متعة صحية، ومفيدة، مع تجنب أو التخفيف من غير الصحية بحال وجودها.
  • الموازنة بين الحياة الشخصية، والعملية
  • تذكر أن ردود فعلك طبيعية لا يمكن تجنبها: من المساعد والمفيد التعبير عن المشاعر المخيفة جداً، وحتى الغريبة.
  • كن واعيا لتوترك، وحاول أنّ تسترخي باستمرار: بطئ من تنفسك ومرن عضلاتك.
  • تحدث مع شخص تشعر بالراحة معه وصف له ما تشعر به أو تفكر به: أنت تقوم بمعالجة الخبرة غير المريحة عندما تتكلم عنها.
  • ارسم، اكتب، اعزف، ومارس الرياضة، أحياناً يكون من الأسهل التعبير عن مشاعرك من خلال القيام بشيء أكثر من الكلام.
  • حافظ على علاقاتك الاجتماعية.
  • اعتن بنفسك بشكل خاص: حافظ على غذاء جيد، ممارسة الرياضة مفيد لك لأنه يساعد على تفريغ التوتر، وتحليل الحالة المزاجية التي تنعكس على قوة الانتباه، والتركيز.
  • تجنب الكحول، والدخان، وسوء الاستخدام للمواد.
  • استمر بالعمل على مهام روتينية إذا كان من الصعب عليك التركيز على مهام تتطلب انتباهاً، وجهدا كبيراً.
  • أخبر زملاءك، المدير أو المشرف كيف تشعر أن الحدث أو العمل أثر عليك ليتمكنوا من فهمك.
  • تجنب التوقعات المثالية من نفسك أو من الآخرين فهي تقودك إلى الإحباط، والصراعات.
  • لا تصف الدواء لنفسك: استشر طبيباً.
  • إن استمر الإحساس بعدم الراحة حول ردود أفعالك، يجب عليك أنّ تستعد للحصول على مساعدة متخصصة (منظمة الصحة العالمية، 2019).

مهمة العناية الذاتية هي مهمة يتقاسمها كل من:

  • الشخص نفسه التي يعاني من الاجهاد.
  • زملاء بفريق العمل الذي ينتمي إليه.
  • المنظمة الإنسانية التي ينتسب لها.

    ورغم أنّ المسؤولية ليست على الفرد فقط، إلا أنّه يتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية في رعاية ذاته فهو المتضرر الأكبر، ويستطيع أنّ يطور ذاته، فالخبرات الصادمة والمعاناة فرصة للنمو والتعلم أو سبباً للإجهاد والتهالك.

كيف أعمل على تحسين العناية الذاتية؟

    هناك مقال تناول موضوع وجود نصائح لتحسين العناية الذاتية تشمل على الجانب الشخصي والجانب المهني من خلال العلاقة مع المستفيدين ونظام العمل وهي:

من أجل العناية بالذات، من المهم تذكر هذا التوازن (الجانب الشخصي):

  • مهم بشكل خاص بالنظر إلى نقاط الضعف المهنية الفريدة لدينا. 
  • وتمكننا من أنْ نكون أكثر حضوراً وفعالية مع عملائنا. 
  • والتشجع على المزيد من المكافآت في جميع جوانب حياتنا.
  • الاستماع إلى ما نقدمه لعملائنا.
  • الحفاظ على الوعي بضغوطات. 
  • استخدم التقييم الذاتي وخطة استراتيجيات التأقلم. 
  • حافظ على المشاركة في الاستشارة أو العلاج عند الحاجة. 
  • اعتن بنفسك – احصل على قسط كافٍ من النوم، ومارس الرياضة بانتظام، وحافظ على نظام غذائي صحي، وقم بتنمية العلاقات الهادفة، والسماح بوقت الفراغ. 
  • أعط الأولوية لاحتياجاتك العقلية والجسدية من خلال التطوير والعمل على تحقيق أهداف محددة.

نصائح لتحقيق التوازن في مكان العمل (الجانب المهني):

  • تقييم وتعديل عبء القضايا الخاصة بك. 
  • ضع حدودًا صحية لنفسك وللعملاء الذين تخدمهم. 
  • تنويع الأنشطة المهنية لمنع العزلة والإرهاق. 
  • ضع في اعتبارك التقييمات الذاتية العرضية لقياس مستوى رفاهيتك (ACCA, 2010).

ختاماً:

    العناية الذاتية ليست استراتيجية ذات مقاس واحد يناسب الجميع، ستحتاج خطة العناية الذاتية الخاصة بك إلى تخصيصها وفقاً لاحتياجاتك، قم بتقييم مجالات حياتك التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والعناية الذاتية، وأعد تقييم حياتك كثيراً، مع تغير وضعك، من المرجح أنّ تتغير احتياجات العناية الذاتية أيضاً.

المراجع:

منظمة الصّحة العالمية، (2019). الكتيب التوجيهي للتدريب المعياري لعمال الدَّعم النّفسي الاجتماعيّ في شمال سوريا.

APA, Psychologists seek better work-life balance, 2010.

https://www.apa.org/monitor/2010/10/balance

APA, Professional Health and Well-being for Psychologists, 2008.

https://www.apaservices.org/practice/ce/self-care/well-being

By Elizabeth Scott, Self-Care Practices for Every Area of Your Life, 2020.

https://www.verywellmind.com/self-care-strategies-overall-stress-reduction-3144729

ACCA Advisory Committee on Colleague Assistance, Tips for Self-Care,2010.

https://www.apaservices.org/practice/ce/self-care/acca-promoting

Erica Wise, Self-care for psychologists, 2019.

https://www.apaservices.org/practice/business/podcasts/self-care?_ga=2.187933868.502321363.1615098804-1538787399.1608637337

وسوم

عن الكاتب

هشام الشيخ

باحث في الإرشاد النفسي

اقرأ لـ هشام الشيخ

اقرأ ايضاً عن علم النفس التربوي