سبل الاندماج التربوي لأبناء المهاجرين العائدين إلى سورية
د عبد المهيمن ديرشوي
يوليو 29, 2025
9 دقائق
د عبد المهيمن ديرشوي
يوليو 29, 2025
9 دقائق
مقدمة
يشكل اندماج أبناء المهاجرين العائدين إلى سورية تحدياً تربوياً وإنسانياً، وفارقةً تجسد حاجة المجتمع السوري إلى تحقيق التماسك الاجتماعي والاستقرار النفسي لدى هذه الفئة، بعد غياب سنوات طوال عنها، فقد حملت رحلة الهجرة تجارب متنوعة من الصعوبات والتحديات التي أثرت في الهوية النفسية والثقافية للأطفال والمراهقين السوريين، ما يستدعي توجيه جهود تربوية ممنهجة تستند إلى أسس علمية وتجارب ناجحة لتمكينهم من إعادة الاندماج بسلاسة في الوسط المدرسي والأسري والمجتمعي في سورية.
إمكانات وفرص أبناء المهاجرين العائدين إلى سورية، لخدمة المجتمع
يمتلك أبناء المهاجرين العائدين إلى سورية إمكانات متميزة تجعلهم عناصر فاعلة في تنمية مجتمعهم وإغناء مدارسهم، فهم يحملون في ذاكرتهم تجارب متعددة، ومعارف مكتسبة، ومهارات ناتجة عن تفاعلهم مع ثقافات وأنظمة تعليمية مختلفة، وقد تبدو عودتهم، لأول وهلة، بمثابة تحدٍّ في التكيف والاندماج، إلا أنها في جوهرها فرصة ذهبية لإعادة ضخ خبرات عالمية في نسيج محلي، ما يجعلهم فاعلين لا متلقّين، ومساهمين لا مستهلكين.
تطوير أساليب التعلم:
في البيئات التعليمية التي عاش فيها هؤلاء الطلاب، تعرّفوا على أنماط تعلم حديثة، تقوم على التفاعل والنقاش والبحث، وعلى استخدام التقنية والمنصات الرقمية، وهذه المعارف يمكن أن تُنقل إلى المدارس السورية، لا سيما في المناطق التي تحتاج إلى تجديد في طرائق التعلم، فكثير من الأبناء العائدين قد يساهمون في تنشيط الحصص الدراسية، ويقترحون طرقاً بديلة للتعلم، مثل التعلم بالمشروعات، أو اللعب، أو العمل التعاوني، وقد يبادر بعضهم إلى إنشاء نوادٍ مدرسية للغة الإنكليزية أو الحاسوب أو القراءة، حيث يتطوعون لتدريب زملائهم وتعريفهم بما تعلموه، مما يعزز من فرص التفاعل بين الطلاب، ويرفع من جودة التعليم، بأساليب لا تُشعر الآخرين بالنقص بل بالتحفيز.
تعزيز ثقافة التنوع والانفتاح:
لأنهم عاشوا في بيئات متعددة الجنسيات، وتعايشوا مع اختلافات دينية وثقافية، فإن أبناء المهاجرين غالباً ما يمتلكون حساسية عالية تجاه التنوع، وقدرة على احترام الآخر، وفهماً عميقاً لأهمية التعددية، وهذا يجعلهم سفراء للتسامح والانفتاح داخل البيئة المدرسية، ويمكن أن يسهموا في إحياء فعاليات ثقافية متنوعة، ينظمون خلالها “أياماً ثقافية” يقدمون فيها عروضاً تمثّل الدول التي عاشوا فيها، من خلال الأزياء، والمأكولات، والقصص، وبهذه الطريقة، لا يعود التنوع مصدرًا للخلاف أو الخجل، بل يصبح نافذة للتعارف والتقارب، ومجالاً لتقدير الاختلاف باعتباره إثراءً للهوية.
تمكين المجتمع المحلي من خلال مبادرات شبابية:
ما اكتسبوه من وعي مجتمعي وانخراط تطوعي في البلدان التي عاشوا فيها، يمكن أن يتحول إلى مبادرات فاعلة في أحيائهم ومدارسهم، فيمكن لبعض الطلاب العائدين أن يطلقوا حملات توعية حول النظافة، أو الوقاية الصحية، أو أهمية القراءة، أو تشجير، أو تطوّع في المناسبات العامة، ويشاركوا في تأسيس مكتبات صغيرة في مدارسهم، أو ينظموا أسواقاً خيرية يبيعون فيها ما يصنعونه من منتجات بسيطة، لتقديم ريعها للفئات المحتاجة، كما يمكن أن يستخدم بعضهم أدوات التواصل الرقمي التي تمرّسوا عليها، لإنتاج فيديوهات تعليمية أو توعوية موجهة لأقرانهم أو للمجتمع الأوسع عبر منصاتهم التعليمية، مما يجعلهم جزءاً من خطاب اجتماعي تنموي جديد، قادم من جيل يؤمن بالفعل أكثر من القول.
الإسهام في التعليم غير النظامي والتدريب:
يمتلك بعض الأبناء العائدين مهارات خاصة في البرمجة، أو التصميم، أو الرياضة، أو الفن، اكتسبوها من المدارس الأجنبية أو من مؤسسات أهلية وتطوعية في المهجر، وهنا تتجلى فرصة كبيرة لإفادة الآخرين من هذه المهارات، فقد يقوم الطالب العائد بتقديم ورش عمل تدريبية لزملائه، أو بتنظيم دورة قصيرة في البرمجة، أو بمرافقة زملائه في مشروع فني أو مسرحي، ينقل لهم من خلاله ما تعلّمه، وهذا لا يُسهم فقط في تحسين مهارات الطلاب الآخرين، بل يعزز من ثقة هذا الطالب بنفسه، ويجعله يشعر أن تجربته الغريبة لم تكن عبئاً بل كنزاً يعود به إلى أرضه.
كيف يجب على المعلمين التعامل مع أبناء المهاجرين العائدين إلى سورية؟
إن تعامل المعلمين مع أبناء المهاجرين العائدين إلى سورية يتطلب حساً تربوياً عالياً، وبصيرة إنسانية مرهفة، وفهماً دقيقاً للتركيبة النفسية والاجتماعية التي يحملها هؤلاء الأبناء في عودتهم إلى بيئة جديدة، هي موطنهم الأصلي، لكنها ليست بعدُ موطنهم النفسي أو الثقافي، فهم يعودون وهم يحملون في ذاكرتهم تجارب حياتية وتعليمية تختلف عن أقرانهم، وقد يشعر بعضهم بالغربة، أو بالتفوق المربك، أو بالدونية المؤلمة، أو حتى بالحنين والانغلاق، ولهذا، فإن المعلم لا يواجه مجرد طالب، بل يواجه نسيجاً مركباً من الهوية والخبرة والعاطفة، يحتاج إلى احتواء وتوجيه لا إلى تصنيف أو أحكام سريعة.
من أولى المهمات التربوية التي يجب أن يلتزم بها المعلم في هذا السياق، هي التقبّل غير المشروط، فالمعلم مطالب بأن يفتح صدره لهؤلاء الأبناء، دون أن يسارع إلى محاكمتهم، أو تحميلهم عبء “الاختلاف”، فالتقبّل لا يعني التغاضي عن أي سلوك غير تربوي، بل يعني احتضان هذا الطالب بوصفه حالة خاصة، يجب احترامها، والاستماع إليها، والتعامل معها بمرونة، لا بتصلّب أو قوالب جاهزة.
ثم يأتي الدور الكبير في تيسير اندماجهم داخل الصفوف والمجتمع المدرسي، فالمعلم هو الجسر الأول الذي يربط الطالب العائد بزملائه، ويمكن أن يفعل ذلك من خلال تكليف هذا الطالب بأدوار تشاركية، مثل تنسيق مجموعات العمل، أو المشاركة في أنشطة صفية جماعية، بحيث يشعر أنه شريك لا غريب، وأنه قادر على الإسهام بما لديه، كما ينبغي على المعلم أن يتجنب عزله، أو الإشارة إليه بلغة “الوافد”، أو الإكثار من المقارنات بينه وبين بقية الطلاب، خاصة في المهارات اللغوية أو السلوكية.
على المعلمين أيضاً أن يدركوا أن أبناء المهاجرين قد يعانون من تفاوت معرفي أو لغوي، ليس بسبب ضعف في قدراتهم، بل لأنهم مرّوا بمناهج وأنظمة تعليمية مختلفة، لذلك، يجب عدم تفسير تأخرهم أو اختلافهم على أنه تخلّف دراسي، بل يجب أن يُمنحوا الوقت والفرصة لتكييف معارفهم مع النظام المحلي، ويمكن في هذا الصدد إعداد أنشطة دعم مخصصة، أو مراجعات تكميلية تراعي احتياجاتهم، دون إشعارهم بالتمييز.
إضافة إلى ذلك، فإن البعد النفسي والعاطفي لهؤلاء الطلاب يجب أن يكون حاضراً في وعي المعلم، فهم ربما فقدوا صداقات أو انقطعوا عن نمط حياتي كانوا قد تعلّقوا به، وقد يشعرون بالحنين أو الارتباك أو حتى الخوف، لذا، من المهم أن يوفّر لهم المعلم بيئة صفية آمنة، يشعرون فيها بالطمأنينة والقبول، ويجدون فيها من ينصت لهم باهتمام دون استجواب أو ضغط، ويمكن أن يساعدهم المعلم، بالتنسيق مع المرشد النفسي، على التعبير عن تجاربهم ومشاعرهم، من خلال أنشطة سرد، أو كتابة، أو رسم، أو تمثيل.
ولا يقل أهمية عن ذلك، أن يُنظر إلى هؤلاء الطلاب لا بوصفهم محتاجين فقط، بل كأصحاب طاقات وتجارب يمكن استثمارها، فالمعلم الذكي هو الذي يفتح لهم المجال ليقدموا ما تعلموه، سواء في اللغات أو المهارات التقنية أو الفن أو الرياضة، ويجعل منهم قدوة إيجابية داخل الصف، لا عبئاً خارجه، كما ويمكن أن يكلّفهم ببعض المهام القيادية، أو يطلب منهم إغناء الحصة بعرض تقديمي عن ثقافة عاشوها، أو نشاط أدّوه في مدارس المهجر.
أخيرًا، لا بد للمعلم أن يكون صلة وصل بين المدرسة والأسرة، فأهالي العائدين يحتاجون بدورهم إلى فهم النظام التربوي المحلي، وقد يواجهون صعوبات في متابعة أبنائهم، وهنا، يمكن للمعلم أن يؤدي دور الموجّه والداعم، فيشرح للأهل الواقع الدراسي، ويقترح أساليب للتعاون والمتابعة، ويشعرهم أن أبناءهم في أيدٍ أمينة.
إن تعامل المعلمين مع أبناء المهاجرين العائدين، ليس مجرد مهمة تعليمية، بل هو موقف حضاري وإنساني، يختبر فيه المعلم قدرته على أن يكون حاضناً للاختلاف، مربياً للهوية، بانياً لجسر بين الخبرة والغرس، وبين الوطن الذي يُولد فيه الإنسان، والوطن الذي يُبنى داخله من جديد.
المناهج الدراسية وأبناء المهاجرين العائدين إلى سورية
حين يعود أبناء المهاجرين إلى سورية، فإن أول ما يصطدمون به في الحياة المدرسية هو اختلاف المنهاج الدراسي من حيث المحتوى، واللغة، والفلسفة التعليمية، وآليات التقييم، وحتى طبيعة العلاقة الصفية بين الطالب والمعلم، لقد جاؤوا من بيئات تعتمد في الغالب على أساليب حديثة في التعليم، قائمة على التفاعل، والتشجيع، والانفتاح، بينما قد يواجههم في كثير من المدارس السورية مناهج تقليدية، وأسلوب تلقيني، وربما فجوة لغوية ومعرفية وثقافية، من هنا، يصبح من الضروري أن يُعاد النظر في طريقة تقديم المنهاج لهؤلاء الطلاب، وفي كيفية تعامل المعلمين معهم، من أجل تسهيل عملية التكيّف والتحصيل.
أول ما ينبغي مراعاته هو أن هؤلاء الطلاب لا يحتاجون إلى نسخ مختلفة من المنهاج، بل إلى نسق تعليمي مرن في تقديمه، حيث يجب أن يظل المحتوى موحّداً، حفاظاً على العدالة الأكاديمية، لكن مع اعتماد تكييفات تربوية تتيح لهؤلاء الطلاب فهمه واستيعابه تدريجياً، فمثلاً، يمكن تقسيم المواد التعليمية الصعبة إلى وحدات أصغر، وتقديمها بشكل متسلسل، مع دعم لغوي ومعجمي إضافي، وخاصة في مواد مثل اللغة العربية، والتربية الوطنية، والتاريخ، التي قد يجدون صعوبة في مفاهيمها ومصطلحاتها.
ويُستحسن في هذا السياق أن يُدرّس المنهاج لهؤلاء الطلاب بطريقة تفاعلية مرنة، تدمج بين التعليم النظامي والتعلم النشط، فبدلاً من الاقتصار على الشرح التقليدي، ويمكن استخدام استراتيجيات تعليمية حديثة، مثل العروض التقديمية، ولعب الأدوار، والمشاريع الصغيرة، والخرائط الذهنية، والقصص التفاعلية، والصور والفيديوهات التعليمية، بما يتيح للطالب العائد أن يتفاعل مع المعرفة من خلال تجربته، لا أن يكتفي بتلقيها بشكل جامد، كما يمكن إدراج عناصر مألوفة من ثقافته السابقة ضمن المحتوى التعليمي، مما يخفّف من صدمة الانتقال، ويعزّز شعوره بالانتماء.
أما المعلم، فعليه أن يلعب دور الوسيط الثقافي والمعرفي بين الطالب والمنهاج، فلا يكفي أن يشرح المادة، بل يجب أن يدرك أنه يترجم عالماً معرفياً إلى عقل طالب لا يحمل الخلفيات نفسها، لذا عليه أن يشرح المصطلحات، ويربط المفاهيم بالسياق، ويُكثر من ضرب الأمثلة، ويسمح بالتكرار والتدرّج، ويجب أن يتجنّب إشعار الطالب بالجهل أو التخلف إذا لم يفهم فكرة معينة، بل يطوّع المحتوى ليصل إليه، ويرشده إلى كيفية التعامل مع النصوص والأنشطة بطريقة تدريجية هادفة.
ومن المهم أيضاً أن يتعامل المعلم مع هؤلاء الطلاب بطريقة تشجّع على التعلم الذاتي والمعاونة بين الزملاء، يمكن أن يشجّع الطالب العائد على تكوين شراكة تعلم مع زميل محلي يساعده على فهم المفردات أو شرح المفاهيم الصعبة، ما يخلق مناخاً من التكامل لا التمييز، كما يمكن أن يسمح لهؤلاء الطلاب باستخدام مصادر دعم إضافية، كالترجمة، أو الشرح البصري، أو الإنترنت، دون أن يعد ذلك خروجاً عن قواعد الصف، بل امتداداً طبيعياً لحاجاتهم الانتقالية.
في هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أهمية تهيئة نفسية مرافقة لتطبيق المنهاج، فالمعلم ليس فقط ناقلًا للمعلومة، بل هو أيضاً داعم نفسي وسلوكي، عليه أن يطمئن الطالب إلى أن الفهم يحتاج وقتاً، وأن الخطأ ليس عيباً، وأن الصمت لا يعني الجهل، بل أحياناً التردد أو الخوف من المقارنة، وإن التحفيز المستمر، وإبراز نقاط القوة، وتقديم التغذية الراجعة بلغة راقية بناءة، يساهم في رفع دافعية الطالب للتعلّم، ويشجعه على التفاعل الإيجابي مع المنهاج.
ومن جهة التقييم، فإن أبناء المهاجرين العائدين يجب أن يُقيّموا بطريقة تراعي خصوصية انتقالهم، لا بمعايير موحدة قاسية منذ البداية، يمكن اعتماد التقييم التكويني المرحلي، مع تقارير وصفية ترصد تقدّم الطالب وتطوره، بدلاً من الاقتصار على الاختبارات النهائية الصارمة، وكما يُستحسن أن يُمنح هؤلاء الطلاب وقتاً إضافياً في بعض الامتحانات، أو أن يُطلب منهم تنفيذ مشاريع بديلة تقيس الفهم بدل الحفظ.
إن المنهاج الدراسي لأبناء المهاجرين العائدين إلى سورية لا يجب أن يكون عبئاً عليهم، ولا أن يتحوّل إلى أداة لتمييزهم عن زملائهم، بل يجب أن يتحوّل إلى أداة دمج تربوية ذكية، تفتح لهم نوافذ جديدة على الوطن، وتسمح لهم بأن يتنفسوا داخل البيئة التعليمية من دون خنق أو ضغط، وهنا يكمن الدور الكبير للمعلم الواعي، الذي يدرك أن نجاح هؤلاء الطلاب ليس نجاحاً فردياً، بل هو نجاح المدرسة كلها في أداء رسالتها الحضارية.
استراتيجيات تطبيقية للاندماج التربوي
تتفرع الاستراتيجيات التطبيقية لتمكين الاندماج التربوي في مدارس العودة إلى عدة محاور مترابطة تعمل معاً لتحقيق بيئة آمنة ومشجعة.
أولاً، يجب تفعيل دور المختصين النفسيين والاجتماعيين في المدارس من خلال برامج إرشادية فردية وجماعية تركز على تطوير المهارات الاجتماعية والوجدانية، ومعالجة الصدمات النفسية، ويستفيد الطلاب من ورش عمل متخصصة في تنمية الثقة بالنفس، وإدارة المشاعر، وتطوير مهارات التواصل الفعّال، مع إشراك أولياء الأمور في جلسات تعريفية لتعزيز التعاون بين البيت والمدرسة.
ثانياً، ينبغي تبني مناهج مرنة تراعي الفوارق اللغوية والثقافية التي اكتسبها أبناؤنا خلال فترة الهجرة، فتُدرج أنشطة تعليمية تفاعلية تشجع الطلاب على تبادل خبراتهم الثقافية بعيداً عن الشعور بالغربة، مثل الفن التعبيري، والدراما، والأنشطة الرياضية التشاركية.
ثالثاً، ينبغى تطوير برامج توأمة بين الطلاب العائدين ونظرائهم المستقرين في سورية، تُعقد في إطار الأندية المدرسية والأنشطة اللاصفية، فتعمل على بناء شبكات دعم وثيقة من الأصدقاء، تشكل مرجعاً لأبناء المهاجرين.
كما تلعب التكنولوجيا دوراً محورياً في تسهيل الاندماج، من خلال إنشاء منصات رقمية تضم موارد تعليمية مخصصة، وتقدم دورات دعم في اللغة العربية إذا لزم الأمر، وتتيح التواصل الآني مع المعلمين والمشرفين الاجتماعيين، كما وتسهم هذه المنصات في تقليل الفجوة المعرفية لدى العائدين، مع إمكانية متابعة تقدمهم وتقديم تقارير دورية للأهل والمعلمين.
إضافة إلى ذلك، يمكن للمدارس أن تنشئ مشاريع خدمة مجتمعية يشارك فيها الطلاب العائدون، مما يعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء للوطن الأم، ويتيح لهم فرصاً للتفاعل المباشر مع بيئتهم المحلية.
وفيما يأتي أمثلة ونماذج تطبيقية عملية لسبل الاندماج المدرسي والأسري والمجتمعي لأبناء المهاجرين العائدين إلى سورية، بحيث تكون هذه الأمثلة قابلة للتنفيذ وتخدم البيئة التربوية في المناطق المتأثرة:
أولاً: نماذج عملية للاندماج المدرسي:
1. برنامج “صديق الصف”:
يُكلّف كل طالب عائد بصديق من الطلاب المقيمين في سورية، يكون مسؤولاً عن مساعدته في التأقلم مع البيئة الصفية والأنشطة اليومية خلال الأسابيع الأولى من المدرسة، ويتم اختيار هذا الصديق بعناية من الطلاب ذوي المهارات الاجتماعية العالية، ويُدرّب مسبقاً على تقديم الدعم والتوجيه.
2. “صفوف تقوية تأهيلية” للمواد الأساسية:
تُخصص حصص أسبوعية إضافية لأبناء العائدين في مواد اللغة العربية، والقرآن الكريم، والدراسات الاجتماعية، لتعويض الفجوات الناجمة عن اختلاف المناهج بين بلد المهجر وسورية، ويُراعى في هذه الحصص التنوع الثقافي في الأمثلة والأنشطة.
3. “منبر قصتي” – نشاط دوري لسرد التجارب:
تنظّم المدارس حلقات دورية يحكي فيها الطلاب العائدون تجاربهم في الغربة أو الهجرة، ويتم استقبال قصصهم باحترام وتشجيع، ما يساعدهم على التعبير عن ذواتهم وتكوين علاقات أعمق مع زملائهم، ويحوّل تجاربهم من عبء إلى مصدر إثراء للصف.
ثانياً: نماذج عملية للاندماج الأسري:
1. جلسات إرشادية جماعية للأهالي:
تنظم المدرسة أو مركز الدعم النفسي المحلي جلسات حوارية شهرية لأهالي الطلاب العائدين، يُطرح فيها مواضيع مثل: “كيفية دعم الأبناء في بيئة جديدة”، و”إدارة التوتر الأسري بعد العودة”، وتُقدّم الأدوات العملية للحوار والتشجيع المنزلي.
2. “بطاقة تواصل بين البيت والمدرسة”:
يُمنح كل ولي أمر بطاقة شهرية يكتب فيها المعلم ملاحظاته عن الطالب، ويردّ ولي الأمر بمتابعته في البيت، ويُسهّل هذا التواصل المستمر البناء التربوي المشترك، ويشعر العائلة بأهميتها في العملية التعليمية.
3. ورش تدريب أسرية في المهارات الحياتية:
تنظم المؤسسات المدنية أو المجالس المحلية ورشاً تدريبية للأهالي في مهارات مثل: “التعامل مع الصدمة”، “دعم الأبناء في سن المراهقة”، “التربية الإيجابية”، خصوصاً أن بعض الأهالي قد تعرّضوا هم أنفسهم لأزمات نفسية ومعيشية.
ثالثاً: نماذج عملية للاندماج المجتمعي
1. مشروع “أصدقاء الحي”:
مبادرة تطلقها المدرسة أو مركز مجتمعي لجمع الأطفال من الأسر العائدة مع نظرائهم من أبناء الحي في أنشطة جماعية (رياضة، تنظيف الحي، زراعة حدائق)، تُسهم في بناء علاقات طبيعية وتبادل ثقافي بسيط.
2. “المعرض الثقافي العائلي”:
تنظم فعالية سنوية يُقدّم فيها الطلاب وأسرهم العائدة أطباقاً من مطبخ المهجر، أو صوراً من تجربتهم، أو لوحات رسموا فيها ذكرياتهم، وهذا المعرض يفتح المجال للتعرف على ثقافات وتجارب مختلفة ويعزز الاحترام المتبادل.
مثل هذه النماذج لا تحقق فقط اندماجاً خارجياً شكلياً، بل تُعيد تشكيل الشعور الداخلي بالانتماء والجدوى والانفتاح، وتبني جسوراً متينة بين الماضي الذي عاشه الطالب في الغربة، والحاضر الذي ينتمي إليه، والمستقبل الذي سيبنيه في وطنه.
التحديات والفرص
رغم وضوح السبل الكفيلة بتحقيق الاندماج التربوي، تواجهها تحديات متعددة منها محدودية الموارد المادية والبشرية في بعض المناطق السورية المتضررة، وافتقار بعض الهيئات التعليمية إلى التدريب الكافي في التعامل مع الطلاب ذوي الخلفيات التراكمية من الصدمة والترحال، وكذلك قد يعاني أولياء الأمور العائدون من ضغوط اقتصادية وصحية تؤثر على قدرتهم على متابعة أبنائهم، ما يستدعي تدخل مشاريع دعم أسري واجتماعي توفر لهم الاستشارات والموارد اللازمة، كما يمكن للمقاومة المجتمعية أحياناً أن تنشأ من مخاوف السكان المحليين تجاه اختلال التوازن الثقافي أو تنافس في الموارد، مما يتطلب حملات توعية مجتمعية تبرز المنافع المشتركة وتأصيل قيم التضامن والتلاحم الوطني.
إزاء هذه التحديات، تنبثق فرص مهمة؛ إذ تشكل العودة للاستقرار الدراسي انعطافاً نحو إعادة بناء النسيج الاجتماعي، ويستفيد النظام التعليمي من هذه التجربة في تطوير أساليبه وبناء شراكات مع المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص لتوفير الموارد والخبرات، وكذلك يُمكن استثمار قصص النجاح الفردية والعائلية كمنصات إلهام تعزز الثقة في جهود الاندماج، وترفع مستوى الدافعية لدى الطلاب الجدد، وتتزايد أهمية استقطاب المتطوعين من خريجي الجامعات السورية والمؤسسات الدولية لتقديم برامج دعم وتدريب تسهم في سد الفجوات وتبادل الخبرات بين المدارس.
الخاتمة والتوصيات
في ضوء ما سبق، يتضح أن سبل الاندماج التربوي لأبناء المهاجرين العائدين إلى سورية تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تنبني على التكامل بين الجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية والثقافية. ومن أجل تحقيق هذا الاندماج، يجب تبني جملة من التوصيات التنفيذية منها:
إن تحقيق اندماج ناجح يتجاوز تجاوز الصعوبات الفورية إلى بناء جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة، ويكون ذلك من خلال العمل الجاد والمستمر على صقل خبراتهم وتنمية قدراتهم، وخلق بيئة تعليمية تسودها روح الانتماء والترابط، فالتعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل ركيزة أساسية في إعادة إنتاج المجتمع وبناء مستقبله، وعليه فإن الاستثمار في سبل الاندماج التربوي لأبناء المهاجرين العائدين هو استثمار في روح الأمة وقيمها النابضة بالحياة.