الخجل لدى الأطفال ذوي الإعاقة

يعد خجل الطفل المعاق مصدر قلق لكثير من الآباء والأمهات وقد يكون لهم الحق في ذلك، فالخجل مشكلة لها آثار سلبية في شخصية الطفل المعاق، إذ تعيق حركة الطفل، فيضعف ما ينتجه، ولا يقوى على مواجهة الحياة، ولا يجرؤ على مخاطبة الناس ومعاشرتهم وإقامة علاقات صداقة معهم، وإفادتهم والاستفادة منهم، ويخيل للشخص المعاق الخجول أن كل الناس يراقبونه ويترقبونه ويصغون إلى كلامه لينتقدوه، وليجدوا فيه مأخذاً يسخرون منه، ولهذا نجده يتهرب وينعزل ويحاول الابتعاد عن مخالطة أقرانه وجيرانه وحتى في بعض الأحيان أسرته.

تعود دوافع الخجل والتردد إلى عوامل نفسية خفية المصدر، تطفح إلى السطح نتيجة التصورات اللاشعورية الجادة، والأوهام المنطلقة المبعثرة المدفوعة من خزينة اللاشعور، والمتولدة من ترسبات الماضي البعيد بشتى أشكاله وصوره الخادعة، وقد تكون هذه الدوافع بدرجات متفاوتة منها جادة ومنها خفية وصلت بعد تأزم إلى حالة هي أشبه بالحالات المرضية المخففة، وهناك دوافع وهمية غريبة تمركزت في نفوس عدد كبير من ضعاف العقول نتيجة للتربية الطفولية الخاطئة، ونتيجة لبعض حالات القلق التي يصورها التشاؤم بإيعاز من اللاشعور أيضاً. (شهاب،2011، ص.3).

وتعتبر مشكلة الخجل أكثر انتشاراً في أوساط الأطفال ذوي الإعاقة فقد أثبتت دراسة أم الجيلالي (2019) أن الخجل من أهم الاضطرابات السلوكية انتشاراً بين الأطفال ذوي صعوبات التعلم. وفي السياق نفسه كان لا بد من تعريف الإعاقة بأنها حالة تشير إلى عدم قدرة الفرد المصاب بعجز ما على تحقيق تفاعل مثمر مع البيئة الاجتماعية أو الطبيعة المحيطة أسوةً بأفراد المجتمع الآخرين المتكافئين في العمر والجنس. (شريف،2014، ص.27).

تعريف الطفل المعاق:

هو الشخص الذي لديه قصور في نوع أو مقدار النشاط الذي يؤديه، بسبب صعوبات مستمرة تعزى إلى حالة بدنية أو حالة عقلية أو مشكلة صحية طال أمدها ستة أشهر فأكثر، وتحد من قدرة الفرد على ممارسة أنشطة الحياة اليومية، ولا تعدّ حالات العجز قصير المدى أقل من ستة أشهر الناتجة عن حالة طارئة ككسر الساقين أو اليدين أو مرض على أنها إعاقة. (ورشة العمل الإقليمي حول التعدادات السكانية،2007، ص.3).

تعريف الخجل:

الخجل يعنى ميلاً إلى الانسحاب من أمام الآخرين، خاصة هؤلاء الذين لا يعرفهم، وهو سمة شخصية، وهذا يعني أن كلاً منا لديه درجة معينة من الخجل، البعض لديه قدر كبير من الخجل، والبعض لديه قدر قليل، والغالبية لديهم قدر متوسط بين الاثنين، ويمكنك أن تفكر فيها مثلما تفكر في الطول، فالطول سمة جسدية، البعض يتميز بالطول، والبعض بالقصر، إلا أن الغالبية العظمى تتميز بطول متوسط بين الاثنين. (بي شتاين، آرووكر،2022، ص.4).

الخجل:

حالة انفعالية يشعر فيها الفرد بالتوتر والقلق والارتباك اثناء تفاعله الاجتماعي، ويتسم بالانسحاب من الاتصالات الاجتماعية مع الآخرين، وتنتابه مشاعر النقص وضعف الثقة بالنفس في المواقف الاجتماعية غير المألوفة لديه. (الطائي،2005، ص319).

الشخص الخجول:

هو من تكون حياته السّلوكية مضطربة بتواصل ونشوء سيرته، فيفقد الثقة بنفسه ويصبح مشلول الإرادة والتّفكير، لذا وجب عليه أن يتجنب ما استطاع الانفعالات النفسية لأن الخجل ما هو إلا ثمرة من ثمار الخوف والقلق والضعف. (محمد الجوخ،2002، ص.12).

النظريات المفسرة للخجل:

اهتم العديد من الباحثين والعلماء بدراسة الخجل، ولمزيد من الوضوح حول متغير هذه الدراسة سيتم عرض بعض النظريات التي صيغت على فترات زمنية متقاربة، وتحديداً خلال فترات السبعينات الميلادية والتي شهدت دراسات مكثفة عن الخجل ومن بين هذه الاتجاهات نذكر منها:

أولاً: الاتجاه التحليلي:

يفسر الاتجاه التحليلي الخجل في ضوء انشغال الأنا بذاته ليأخذ شكل النرجسية، فضلاً عن أن الشخص الخجول من وجهة النظر هذه يتميز بالعدوانية والعدائية.

ثانياً: الاتجاه الأسري:

ويرجع البعض الخجل إلى عامل الأسرة، وفيها يمارس الوالدان أساليب المعاملة كالحماية الزائدة، التي قد ينتج عنها اعتماد الطفل الكامل على الوالدين، وإما جهل الوالدين في أحيان كثيرة، فضلاً عن النقد المستمر الموجه للطفل قد يؤدي إلى نشأة أسلوب التردد وتنمية المخاوف لديه.

ثالثاً: الاتجاه الوراثي:

ويعود الخجل إلى شق وراثي تكويني، فيميل بعض الأطفال إلى التعرض للضوضاء والرغبة في الانطلاق، في حين يميل بعضهم الآخر إلى السكون والانفراد، وقد يستمر هذا النمط ملازماً للطفل طول حياته. (لغريبي،2020، ص.15).

أسباب الخجل: وترجع الإصابة بالخجل غالباً إلى أحد سببين:

  1. العامل الجسمي: وفى هذه الحالة يكون الإنسان مصاباً بعاهة أو يعاني من سمنة مفرطة أو هزال شديد، وبالتالي يكون عرضةً لمركب النقص الذي يؤدى إلى عدم الثقة بالنفس.
  2. العامل النفسي: وفى هذه الحالة تلعب ظروف التربية والنشأة دوراً هاماً وخطيراً، فتخضع نفس الإنسان لنزعات متعارضة ومتصارعة، وتجعله في حالة اضطراب جياش يموه عليه الحقائق ويجعله قليل الانتباه، وقد تدفعه بعض الأحوال إلى استجداء استحسان الناس له ولأفعاله وآرائه، فلا يرضيه بديل عن سماع عبارات الثناء والإطراء تلاحقه من كل جانب وفى كل مناسبة، وينمي هذا الحرص الشديد في أعماقه شعوراً بالحذر والخوف والترقب، ينتهي إلى تمخض نفسه عن خجل يزحف في غفلة ثم يشتد ويقوي حتى يصبح وحشاً مفترساً. (خليفة،2001، ص.4).

أعراض الخجل:

وتختلف أعراض الخجل من شخص إلى آخر وفقاً لاختلاف الظّروف أو الأسباب التي أدت إليه، وكذلك وفقاً لطبيعة تكوين المصاب وفطرته الأساسية. (خليفة،2001، ص.5-7).

أولاً: العزلة والبعد عن الناس: وغالباً ما يؤدى الخجل في جميع أحواله إلى رغبة المصاب في العزلة والبعد عن النّاس اعتقاداً منه أن كل الناس يراقبونه ليجدوا فيه ما يجعلهم يسخرون منه أو يتهكمون عليه.

ثانياً: الغيرة والحسد: وقد يخالط هذا الشعور بالخجل عناصر الحسد والغيرة والبغض والحقد على الآخرين.

ثالثاً: استجداء استحسان الآخرين: وقد يتمخض ذلك الشعور عن شغف بالغ بآراء الآخرين يجعله يستجدى استحسانهم له ولأقواله وتصرفاته، حتى يصبح الحصول على عبارات الإطراء والثناء منهم كل همه في الحياة. وفي جميع الحالات يكون المصاب في حالة حصار دائم داخل نفسه متقوقعاً عليها، ينتقم لنفسه من نفسه، فيقسو على ذاته أشد القسوة بتضخيم عيوبه وتهويلها، والاستهانة بقدراته ومواهبه.

رابعاً: متاعب الدمامة: فالدميم على سبيل المثال يعاني شعوراً بالاضطهاد، فهو دائم التّفكير بدمامته، ينظر إلى الوجوه متأملاً ليرى ما انطبع في أساريرها من تقزز أو نفور، ويفكر متألماً: يا ليتني لم أكن دميماً، يا ليتني كنت جميلاً، ويخلو الوجود من كل شيء في تقديره إلا عنصري الدّمامة والجمال.

خامساً: الحساسية المفرطة والذكاء المبكر: ومن المفارقات الغربية أن الشّخص صاحب الحساسية المفرطة غالباً ما يكون شخصاً ملتهب الذّهن متوقد الذّكاء، مبكراً في إظهار تفوقه وذكائه وملكاته ومواهبه، ولكنه التفوق الناقص الذي يصل صاحبه إلى أسمى ذروة ثم لا يلبث أن يتقلص طموحه ويتقهقر إلى الخلف بمجرد أن يتنبه إلى ما فيه من نقص، متخلياً عن موقع الذروة، إلى حيث الانزواء والانطواء والتقوقع والبعد عن نظرات الناس بعد أن كان محط أنظارهم.

آثار وعواقب الخجل على الطفل ذي الإعاقة:

 يرى الطيب (1996) أن الخجل يؤدي إلى آثار مدمرة للفرد على المدى القصير أو البعيد على السواء، فقد يؤدي الخجل الشديد إلى انخفاض التحصيل الدراسي، وقد يؤدي إلى انخراط الفرد في مجموعة من السلوكيات السيكوباتية المضادة للمجتمع، وقد يؤدي إلى تعاطي المخدرات والكحوليات تعويضاً عن نقص فاعليته الاجتماعية، وبحثاً عن الصحبة التي لا يستطيع أن يكونها على نحو سوي، ومن المتوقع أن الخجل مهما يتميز به من نقص في المهارات الاجتماعية، قد يكون أحد الأسباب النفسية الرئيسية التي تكون وراء عمليات الإرهاب الدّموي والعنف.

ويرى الزعبي (2005) أن الخجل يؤدي إلى ضعف القدرة لدى الطفل على الاندماج في الحياة مع زملائه، وإلى نقص في المهارات الاجتماعية خارج الأسرة، ويضعف من قدرته على التعلم من تجارب الحياة، كما يجعل سلوكه يتصف بالجمود والخمول داخل المدرسة، ويبتعد عن كل طفل أو شخص يوجه له اللوم أو النقد، مما يجعله محدود الخبرة، ضعيف التعلم بالمدرسة، ويتجنب الاتصال بالآخرين ولا يرتبط بصداقات لفترات طويلة الأمد، مما يجعله عالة على نفسه وأسرته ومجتمعه. (شعبان، 2010، ص.25).

علاج الخجل:

يوجد عدد من الأساليب لمعالجة مشكلة الخجل لدى الأطفال ذوي الإعاقة كما ذكر (بن سالم العلوية، 2017، ص.17-18).

أولاً: استخدام أسلوب إزالة الحساسية التدريجي Systematic Desensitization

يرى (سليم، 2011). أن باستطاعة الأطفال أن يتعلموا أن المواقف الاجتماعية لا يلزم بالضرورة أن تكون مخيفة، وأن عليهم الاشتراك في المواقف الاجتماعية، فبذلك يصبحون اجتماعيين أكثر تدريجياً، ولهم أن يتخيلوا كيف يقومون بسلوك اجتماعي كانوا يخافونه في السابق ثم دمجهم في مواقف حقيقة، وبالتالي سیقلل خجلهم.

ثانياً: العلاج بالإغراق أو الإفاضة Implosive and Flooding Therapy

في هذه الطريق يتم الاستغناء عن الاسترخاء العضلي، حيث يطلب من الطفل أن يتصور نفسه يتحدث وجهاً لوجه مع معلمه (على سبيل المثال)، ثم يتكرر التّخيل المبالغ فيه فترات طويلة حتى يتكيف الطالب مع هذا الموقف ولا يعود التحدث مع المعلم وجهاً لوجه مثيراً لخوف الطفل.

ثالثاً: العلاج بالتعريض أو المواجهة Exposure Treatment

لاحظ العديد من الباحثين أن التحسن في علاج مشكلة الخجل والخوف الاجتماعي يكون أفضل ما يكون عندما يتم بالمواجهة الواقعية والتعرض المباشر، وأصبح شعار العلاج بالمواجهة أو التعريض؛ التعرض الحقيقي المباشر الشديد والطويل المتكرر لموضوع الفلق أو الخوف، وقد كانت النتيجة أن المخاوف الشديدة التي كانت تستغرق شهوراً لمعالجتها والتّخلص منها أصبحت تتم السيطرة عليها بوقت قليل وربما ساعات قليلة.

رابعاً: الإرشاد باللعب Play Counseling

يقوم على إعطاء الطالب فرصة ليسقط مشكلاته سواءً كانت شعورية أو لا شعورية، والتي لا يستطيع التعبير عنها عن طريق اللعب بأنواعه المتعددة، حيث يعد اللعب مخرجاً وعلاجاً لمواقف الإحباط اليومية ولحاجات جسمية ونفسية واجتماعية لابد أن تشبع. ويمكن للمرشد دراسة سلوك الطفل عن طريق ملاحظته أثناء اللعب، ويترك له حرية اختيار اللعبة الملائمة لسنه، وبالطريقة التي يراها مناسبة، وقد يختار المرشد أدوات اللعب المناسبة لعمر الطالب ومشكلته، وقد يشاركه في اللعب تدريجياً ليقدم مساعدات أو تصورات لدوافعه، بل أن مشاركته تؤكد صلاحية ما يقوم به الطفل وما ينطوي عليه من معنى.

الخاتمة:

عطفاً على ما سبق تعدّ ظاهرة الخجل لدى الأطفال ذوي الإعاقة من أشد المظاهر خطورة، وذلك لما تحمله من نقمة الفرد على نفسه وعلى الآخرين بسبب إعاقته، وعدم تقبل الكثير له من أفراد المجتمع من حوله، وربما تنعكس هذه الأفكار على حالته النّفسية فيتوجه بالعدوان نحو ذاته أو نحو الآخرين، ومن الضروري تسليط الضوء على هذه القضية المهمة لدى الأطفال ذوي الإعاقة.

المراجع:

  • أم الجيلالي، حاكم. (2019). اضطرابات النطق والسلوك الانسحابي لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية ذوي صعوبات التعلم (دراسة وصفية ارتباطية). مجلة متون، المجلد 11 (العدد الأول)، 283- 298. https://www.asjp.cerist.dz/en/downArticle/146/12/1/83827
  • شهاب، سحر. (2011). خجل الطفل المعوق الأسباب والعلاج دراسة ميدانية في مدينة بغداد. على الرابط بتاريخ    2022-1-4.
  • https://iasj.net/iasj/download/d251610c8d993114
  • شريف، السيد. (2014). مدخل إلى التربية الخاصة. دار الجوهرة للنشر والتوزيع.
  • بي شتاين، موري، آرووكو، جون. (2002). قهر الخجل والقلق الاجتماعي التغلب على الخجل. دار جرير.
  • الطائي، إيمان. (2005). دراسة ظاهرة الخجل لدى طلبة كلية التربية الأساسية. مجلة كلية التربية الأساسية، (العدد45 )، 315-338. على الرابط بتاريخ    2022-1-4.
  • https://www.iasj.net/iasj/download/c63fe284901b0243
  • محمد خوج، حنان. (2022). الخجل وعلاقته بكل من الشعور بالوحدة النفسية وأساليب المعاملة الوالدية لدى عينات من طالبات المرحلة المتوسطة بمدينة مكة المكرمة [رسالة ماجستير منشورة، جامعة أم القرى]. المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي. http://www.gulfkids.com/pdf/Khajal.pdf
  • خليفة، علي. (2001). الخجل أسبابه وعلاجه. المركز العربي للنشر والتوزيع.
  • بن سالم العلوية، إيمان. (2017). برنامج إرشادي جمعي لخفض الخجل لدى طالبات الصف التاسع في ولاية بهلاء في سلطنة عمان [رسالة ماجستير منشورة، جامعة نزوى]. كلية العلوم والآداب قسم التربية والدراسات الإنسانية.
  • https://www.unizwa.edu.om/content_files/01029-9850.pdf
  • ·       شعبان، عبد ربه. (2010). الخجل وعلاقته بتقدير الذات ومستوى الطموح لدى المعاقين بصرياً [رسالة ماجستير منشورة، الجامعة الإسلامية]. غزة كلية التربية قسم علم النفس.
  • https://www.mobt3ath.com/uplode/book/book-17256.pdf?ver=accessable
  • لغربي، محمد. (2020). دور حصة التربية البدنية في التقليل من الخجل لدى تلاميذ الطور الابتدائي [رسالة ماجستير منشورة، جامعة قاصدي مرباح ورقلة]. معهد علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية قسم نشاطات التربية البدنية والرياضية شعبة النشاط البدني الرياضي التربوي. https://dspace.univ-ouargla.dz/jspui/bitstream/123456789/24977/1/%D9%84%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D9%8A%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF.pdf
  • السلطة الوطنية الفلسطينية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2017). ورشة العمل الإقليمية حول التعدادات السكانية خلال الفترة. على الرابط بتاريخ 2022-1-4.
  • https://www.unescwa.org/sites/default/files/event/materials/event_detail_id_483_disability_palestine.pdf

وسوم

عن الكاتب

عمار مطر

اقرأ لـ عمار مطر

اقرأ ايضاً عن التربية الخاصة